محمد هادي معرفة

286

التفسير الأثري الجامع

كما سمّي التخويف والتعذيب في قصّة نمرود إتيانا ، فقال - عزّ من قائل - : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ « 1 » . وقال في قصّة بني النضير : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا « 2 » . وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ « 3 » . قال : وإنّما احتمل الإتيان هذه المعاني ، لأنّ أصل الإتيان عند أهل اللسان هو القصد إلى المشي . فمعنى الآية : هل ينظرون إلّا أن يظهر اللّه خلاف ما يتوقّعونه ، فيعمد إلى مجازاتهم ويقضي بشأنهم ما هو قاض ، ويجازيهم على أعمالهم ، ويمضي فيهم ما أراد . قال : يدلّ عليه ما رواه محمّد بن كعب القرظي عن أبي هريرة : [ 2 / 5891 ] قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إذا كان يوم القيامة ، يأتي اللّه - عزّ وجلّ - في ظلال من الغمام ، والملائكة ، فيتكلّم بكلام طلق ذلق ، فيقول : انصتوا ، فطالما أنصتّ لكم منذ خلقتكم ، أرى أعمالكم ، وأسمع أقوالكم ، فإنّما هي صحفكم وأعمالكم نقرأ عليكم ، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومنّ إلّا نفسه ! فيقضي اللّه - عزّ وجلّ - بين خلقه ، الجنّ والإنس والبهائم . فإنّه ليقتصّ يومئذ للجمّاء من القرناء » « 4 » . [ 2 / 5892 ] وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « يجمع اللّه الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة ، شاخصة أبصارهم إلى السماء ، ينظرون فصل القضاء ، وينزل اللّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسيّ » « 5 » . [ 2 / 5893 ] وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عبّاس في هذه الآية قال : يأتي اللّه يوم القيامة في ظلل من السحاب قد قطّعت طاقات « 6 » .

--> ( 1 ) النحل 16 : 26 . ( 2 ) الحشر 59 : 2 . ( 3 ) الأنبياء 21 : 47 . ( 4 ) الثعلبي 2 : 129 - 130 . بتصحيح وتحقيق على تفسير البغوي 1 : 269 . والخازن 1 : 140 . وصحّحنا الحديث الأخير على الطبري ( 2 : 449 - 450 / 3211 ) في حديث طويل . ( 5 ) الدرّ 1 : 580 ؛ الكبير 9 : 357 - 358 / 9763 ؛ ابن كثير 1 : 256 . ( 6 ) الدرّ 1 : 580 ؛ ابن أبي حاتم 2 : 372 / 1960 ؛ الثعلبي 2 : 128 .